❗️sadawilaya❗
حمزة العطار
لم تعد السيادة تُقاس في القرن الحادي والعشرين بعدد الجنود على الحدود فحسب، بل تُقاس أيضاً بقدرة الدولة على حماية بياناتها ومعلوماتها وبنيتها التحتية الرقمية. فالاختراق السيبراني اليوم قد يشلّ قطاعاً مصرفياً بأكمله، أو يفضح أسرار مؤسسات أمنية، أو يؤثر على قرار سياسي.
وفي لبنان، حيث تتقاطع المصالح السياسية مع المصالح التجارية، يصبح ملف الأمن السيبراني واحداً من أخطر ملفات السيادة الوطنية. والسؤال المطروح: من يمسك بهذا الملف؟ وبأي معايير يتم اختياره؟
أولاً: تاريخ النفوذ... من شركات الاتصالات إلى قلب الدولة
منذ تسعينيات القرن الماضي، برزت في لبنان شبكات اقتصادية كبرى عملت في قطاعين حساسين ومتداخلين: قطاع المعلوماتية والاتصالات، والقطاع المصرفي.
هذه الشبكات لم تكتفِ بالنمو التجاري، بل امتد نفوذها تدريجياً إلى مؤسسات الدولة عبر العقود والاستشارات والشراكات.
الخطورة هنا لا تكمن في النجاح الاقتصادي بحد ذاته، بل في تحوّل هذا النفوذ الاقتصادي إلى نفوذ سيادي. وعندما يصبح صاحب الشركة الخاصة هو نفسه صاحب القرار في الملف العام، ندخل في ما يُعرف قانوناً بـ "تضارب المصالح"، وأمنياً بـ "ثغرة سيادية".
ثانياً: فراغ تشريعي وتعيينات بلا معايير
رغم خطورة الملف، لا يزال لبنان يفتقر حتى اليوم إلى استراتيجية وطنية شاملة للأمن السيبراني، وإلى هيئة مستقلة تُعنى بحماية البيانات.
أما التعيينات في المناصب الحساسة، فغالباً ما تخضع لمنطق المحاصصة السياسية بدلاً من الخبرة والكفاءة والتدقيق الأمني.
وفي أي دولة تحترم سيادتها، فإن من يتولى ملفاً سيادياً كالأمن السيبراني يجب أن يخضع لثلاثة تدقيق: أمني، قضائي، ومالي. كما يجب أن تُعلن معايير التعيين بشفافية.
غياب هذه المعايير يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة: كيف يمكن الوثوق بملف وطني حساس لشخص لديه مصالح تجارية ضخمة في القطاع نفسه؟ ومن يراقب من؟
ثالثاً: الخطر الأقصى... الاختراق من الداخل
الأخطر من الاختراق الخارجي هو "الاختراق من الداخل". أي عندما يكون صاحب القرار أو المقرب منه على تواصل أو علاقة مع جهات معادية.
القانون اللبناني يُجرّم أي شكل من أشكال التعامل مع العدو الإسرائيلي. وبالتالي، فإن أي شبهة تقارب أو لقاء في هذا السياق، خاصة إذا تعلق الأمر بشخص في موقع سيادي أو استشاري، تتحول إلى قضية أمن قومي من الدرجة الأولى.
هنا يبرز سؤالان: لماذا لا تتحرك الأجهزة الأمنية استباقياً في مثل هذه الملفات؟ ولماذا لا توجد متابعة قضائية وبرلمانية مستمرة لضمان سلامة التعيينات؟
رابعاً: المصارف والمعلومات... وجهان لعملة واحدة
عندما تتداخل المصالح المصرفية مع المصالح المعلوماتية، تتضاعف المخاطر. فالبنوك تمتلك أكبر قواعد بيانات مالية للمواطنين والدولة. وشركات الـIT تمتلك القدرة التقنية على الوصول إلى هذه البيانات.
في حال غياب الرقابة، يمكن استخدام هذا التداخل لأغراض غير مشروعة: من تسريب بيانات، إلى الضغط السياسي، إلى ما يُشبه "غسيل المعلومات". وهذا ما يجعل من الضروري الفصل التام بين القطاع الخاص والمناصب السيادية.
الخاتمة: نحو هيئة وطنية مستقلة
إن حماية السيادة الرقمية للبنان لم تعد ترفاً. المطلوب اليوم ثلاث خطوات عاجلة:
1. إقرار قانون لحماية المعطيات الشخصية يتوافق مع المعايير الدولية.
2. إنشاء هيئة وطنية مستقلة للأمن السيبراني بعيدة عن المحاصصة، تخضع لرقابة البرلمان.
3. وضع معايير شفافة وصارمة لأي تعيين في المناصب الحساسة، تشمل فحصاً أمنياً وقضائياً معلناً.
فالدولة التي لا تحمي بياناتها، لا يمكنها أن تدّعي أنها تحمي شعبها.